Subscribe Us

ترجمة الإمام الغزالي


بسم الله الرحم الرحيم
الحمد لله الهادي إلى الصواب. و أشهد أن لا إله إلا الله الكريم الوهاب، و أشهد أن سيدنا محمد رسول الله من آتاه الله الحكمة و فصل الخطاب. اللهم صل و سلم و بارك عليه و على آله و أصحابه و من أحيا سننه إلى يوم الدين

أما بعد: فهذه نبذة من تاريخ حياة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى نوردها ليعلم القارئ شيئا عنه و بالله التوفق: هو الإمام الجليل، محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسى الغزالى، حجة الاإسلام. و محجة الدين التى يتوصل بها إلى دار السلام، جامع أشتات العلوم، و المبرز فى المنقول منها و المفهوم. جرت الأئمة قبله لشأو ما قنع منه بالغاية، و لا وقف عند مطلب بل لم يبرح فى دأب لا يقضي له بنهاية، حتى أخمل من الأقران كل خصم بلغ مبلغ السها، و أجمد من النيران البدع كل ما لا دتستطيع أيدي المجالدين مسها. كان رضي الله عنه ضرغاما إلا أن الأسود تتضاءل لديه و تتوارى، و بدرا تماما إلا أن هداه يشرق نهارا، و بشرا من الخلق إلا أنه الطود العظيم، و بعض الناس و لكن مثل ما بعض الجماد الدر النظيم. جاء و الناس إلى رد فرية الفلاسفة أحوج من الظلماء لمصابيح السماء. و أفقر من الجدباء إلى قطرات الماء.، فلم يزل يناضل عن الدين الحنيفي بجلاد مقالة، و يحمي حوزة الدين و لا يلطخ بدم المعتدين حد نصاله، حتى أصبح الدين وثيق العرى. و انكشفت غياهب الشبهات و ما كانت إلا حديثا مفترى

هذا مع ورع طوى عليه ضميره، و خلوة لم يتخذ فيها غير الطاعة سميره، ترك الدنيا وراء ظهره، و أقبل على الآخرة مخلصا لله في سره و جهره

:مولده
ولد بطوس خمسين و أربعمائة، و كان والده يغزل الصوف و يبيعه في دكان بطوس، و لما حضرته الوفاة وصى  به و بأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير و فال له: إن لي لتأسفا عظيما على تعلم الخط و أشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين فعليهما و لا عليك أن ينفد في ذلك جميع ما أخلفه لهما. فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى أن فني النزر اليسير الذي خلفه لهما أبوهما و تعذر على الصوفي القيام بقوتهما فقال لهما: اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما و أنا رجل من أهل الفقر و التجريد. ليس لي مال فأواسيكما به. و أصلح ما أرى لكما أن تلجا إلى مدرسة كأنكما من طلبة العلم فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما ففعلا ذلك وكان هو السبب في سعدتهما و علو درجتهما. و كان الغزالي يحكي هذا و يقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله

:صفة والده
و يحكى أن أباه كان فقيرا صالحا لا يأكل ألا كسب يده فى عمل غزل الصوف و يطوف على المتفقهة و يجالسهم و يتوفر على خدمتهم و يجد في الإحسان إليهم و النفقة بما يمكنه عليهم، و أنه كان إذا سمع كلامهم بكى و تضرع و سأل الله  أن يرزقه ولدا و يجعله فقيها، و يحضر مجالس الوعظ فإذا طاب وقته بكى و سأل الله  أن يرزقه ولدا واعظا. فاستجاب الله دعوتيه

أما أبو حامد فكان أفقر أقرانه، و إمام أهل زمانه. و فارس ميدانه. كلمة شهد بها الموافق و المخالف، و أقر بحقيقتها المعادي و المخالف

و أما أحمد فكان واعظا تنفلق الصم عند استماع تحذيره. و ترعد فرائص الحاضرين في مجالس تذكيره

:تلقيه العلوم
  قرأ الغزالي رضي الله عنه في صباه طرفا من الفقه ببلده على أحمد بن محمد الراذكان ثم سافر إلى جرجان أبي نصر الإسماعيلي و علق عنه التعليقة ثم رجع إلى طوس. قال الإمام أسعد الميهني فسمعته يقول: قطعت علينا الطريق و أخذ العيارون جميع ما معي و مضوا. فتبعتهم. فالتفت ألى مقدمهم و قال: ارجع وحيك و إلا هلكت. فقلت له: أسألك بالذي ترجو فسلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط فما هي شيئ تنتفعون به. فقال لي: و ما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرت لسماعها و كتابتها و معرفة علمها. فضحك و قال: كيف تدعي أنك عرفت علمها. و قد أخذناك منك فتجردت من معرفتها و بقيت بلا علم ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة

قال الغزالي رحمه الله: فقلت هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري. فلما و افيت طوس أقبلت على إشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته. و صرت بحيث لو قطع الطريق لم أتجرد من علمي. و قد روى هذه حكاية عن الغزالي أيضا الوزير نظام الملك كما هو مذكور في ترجمة نظام الملك من ذيل ابن السمعاني

:قدومه نيسبور و ملازمته لإمام الحرمين
ثم إن الغزالي قدم نيسبور و لزم إمام الحرمين وجد و اجتهد حتى برع المذهب و الحلاف و الأصلين و الجدل و المنطق؛ و قرأ الحكمة و الفلسفة و أحكم كل ذلك، و غهم كلام أرباب هذه العلوم، و تصدى للرد عليهم و إبطال دعاويهم. و صنف في كل فن من هذه علوم كتبا أحسن تأليفها و أجاد وضعها و ترصيفها و كان رضي الله عنه شديد الذكاء عجيب الفطرة مفرط الإدراك، بعيد الغور، غواصا على المعاني الدقيقة جبل علم مناظرا محجاجاو كان إمام الحرمين يصف تلامذته فيقول: الغزالي بحر مغرق: و الكيا: أسد مخرق، و الخوافي: نار تحرق

:زيارته للوزير نظام الملك
ثم لما مات إمام الحرمين خرج الغزالي إلي العسكر قاصدا للوزير نظام الملك، و ناظر الأئمة و العلماء في مجلسه و قهر الخصوم، و ظهر كلامهه على الجميع، و اعترفوا بفضله، و التلقاه الصاحب بالتعظيم و التبجيل، و ولاه تدريس مدرسته ببغداد. و أمره بتوجه إليها، فقدم بغداد في سنة أربع و ثمانين و أربعمائة و درس بالنظامية، و أعجب الخلق حسن كلامه و كمال فضله و فصاحة لسانه و نكته الدقيقة و إشاراته اللطيفة، و أحبوه و أحلوه محل العين بل أعلى و قلوا أهلا بمن أصبح لأجل ةالمناصب أهلا

:إقامته على التدرؤس
و أقام على التدريس و تعليم العلم مدة، عظيم الجاه زائد الحشمة عالي الرتبة مشهور الاسم، تضرب به الأمثال و تشد إليه الرحال إلى أن شرفت نفسه عن رذائل الدنيا فرفض ما فيها من التقدم و الجاه، و ترك كل ذلك وراء ظهره و قصد بيت الله الحرام، فحج و توجه إلى الشام في ذي القعدة سنة ثمان و ثمانين، و استناب أخاه في التدريس و جاور بيت المقدس، ثم عاد إلى دمشق و اعتكف في زاويته بالجامع الأموي المعروفة اليوم بالغزالية نسبة إليه

:زهده و ورعه
و لبس الثياب الخشنة، و قلل طعامه و شرابه، و أخذ في التصنيف للإحياء، و صار يطوف المشاهدة، و يزور الترب و المساجد، و يأوي إلى القفار و يروض نفسه و يجاهدها جهاد الأبرار، و يكلفها مشاق العبادات، و يبلوها بأنواع القرب و الطاعات،إلى أن صار قطب الوجود، و البركة العامة لكل موجود، و الطريق الموصل إلى رضا الحمن

:تكلمه على لسان أهل الحقيقة
ثم رجع إلى بغداد و عقد بها مجلس الوعظ، و تكلم على لسان أهل الحقيقة، و حدث بكتاب الإحياء قال ابن النجار: و لم يكن له أستاذ و لا طلب شيئا من الحديث، لم أر له إلا حديثا واحدا سيأتي ذكره في هذا الكتاب -يعني تاريخه- قلت: و لم أرره ذكر هذا الحديث بعد. و قد أخبرنا أبو الحافظ بحديث من حديثه أوردناه في الطبقات الكلرى

:ما شهد له به العلماء العاملون
قال الإمام محمد بن يحيى: الغزالي هو الشافعي الثاني. و قال أسعد الميهني: لا يصل إلى معرفة علم الغزالي و فضله إلا من بلغ او كاد يبلغ الكمال في عقله. و قال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن المنعم العبدري: رأيت بالاسكندرية فيما يرى النائم كأن الشمش طلعت من مغربها، فعبر ذلك بعض المعبرين ببدعة تحدث فيهم فوصلت بعد أيام و المركب بإحراق كتب الغزالي بالمرية

:توزيع أعماله على الأوقات
ثم إن الغزالي عاد إلى خرسان و درس بالمدرسة النظامية بنيسبور مدة يسيرو. ثم رجع إلى طوس و اتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء و خانقاه للصوفية؛ ووزع أوقافه على و ظائف من ختم القرآن، و مجالسة أرباب القلوب و التدريس لطلبة العلم، و إدامة الصلاة و الصيام و سائر العبادات إلى أن انتقل إلى رحمة الله ورضوانه طيب الثناء، أعلى منزلة من نجوم السماء؛ و أهدى للأمة من البدر في الظلماء لا يبغضه إلا حاسد أو زنديق

:ما حصل لمبغضيه من البلاء
و لقد كان في ثغر الاسكندرية من مدة قريبة أدركها أشياخنا شخص يبغض الغزالي و يغتابه، فرأى النبي صلى الله عليه و سلم في المنام؛ و أبو بكر و عمر رضي الله عنهما إلى جانبه، و كأن الغزالي واقف بين يديه وهو يقول: يا رسول الله هذا - يعني الرائي - يتكلم في و يؤذيني قال: فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ((هاتوا السياط)). و أمر به فضرب بين يديه لأجل الغزالي و قام هذا الرجل من النوم و أثر السياط على ظهره

:مصنفاته رضي الله عنه
و من تصانيف الغزالي: البسيط، و الوسيط، و الوجيز، و الخلاصة، و المستصفى، و المنخول، و تحصين الأدلة، و شفاء العليل، و الأسماء الحسنى، و الرد على الباطنية، و منهاج العابدين و إحياء علوم الدين. و غير ذلك من التصانيف

:و فاته رحمه الله تعالى
توفي بطوس يوم الإثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس و خمسمائة، و لو أردنا استيعاب ترجمته لطال الشرح و فيما أوردناه مقنع و بلاغ

 إحياء علوم الدين | فقه و تصوف | الإمام أبو حامد الغزالي | دار الكتب العلمية | ٢٣٣٦ (٤ أجزاء في ٤ بيروت) | ١٧*٢٤ | ٢٠١١ | لبنان | السادسة


Post a Comment

0 Comments